شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 80

دار مكتبة الحياة

تجد حطبا. كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس، ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه. فإياك والبخل بما تعلم. وقال بعض العلماء: علم علمك وتعلم علم غيرك.

فإذا علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت، فاعلم أن المتعلمين ضربان: مستدعى وطالب. فأما المستدعى إلى العلم فهو من استدعاه العالم إلى التعليم لما ظهر له من جودة ذكائه، وبان له من قوة خاطره. فإذا وافق استدعاء العالم شهوة المتعلم كانت نتيجتها درك النجباء، وظفر السعداء؛ لأن العالم باستدعائه متوفر، والمتعلم بشهوته مستكثر.

وأما طالب العلم لداع يدعوه، وباعث يحدوه، فإن كان الداعي دينيا، وكان المتعلم فطنا ذكيا، وجب على العالم أن يكون عليه مقبلا وعلى تعليمه متوفرا لا يخفي عليه مكنونا، ولا يطوي عنه مخزونا.

وإن كان بليدا بعيد الفطنة فينبغي أن لا يمنع من اليسير فيحرم، ولا يحمل عليه بالكثير فيظلم. ولا يجعل بلادته ذريعة لحرمانه فإن الشهوة باعثة والصبر مؤثر.

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه في غير أهله فتأثموا» . وقال بعض الحكماء: لا تمنعوا العلم أحدا فإن العلم أمنع لجانبه. فأما إن لم يكن الداعي دينيا نظر فيه فإن كان مباحا، كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة وطلب الرئاسة فالقول فيه يقارب القول الأول في تعليم من قبل؛ لأن العلم يعطفه إلى الدين في ثاني حال، وإن لم يكن مبتدئا به في أول حال.

وقد حكي عن سفيان الثوري أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله تعالى فأبى أن يكون إلا لله. وقال عبد الله بن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا. وإن كان الداعي محظورا، كرجل دعاه إلى طلب العلم شر كامن، ومكر باطن يريد أن يستعملهما في شبه دينية، وحيل فقهية، لا تجد أهل السلامة منها مخلصا، ولا عنها مدافعا

الصفحة السابقة الصفحة التالية