شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الآداب الشرعية — ج 2

ابن مفلح • الأذكار والآداب • ج2 ص196

عالم الكتب

كلام في غاية الحسن، فإنا إذا قلنا للعقل هو حكيم قال: لا شك في ذلك؛ لأني قد رأيت عجائب أفعاله المحكمة فعلمت أنه حكيم، فإذا رأيت ما يصدر ما ظاهره ينافي الحكمة، نسبت العجز إلي، ولو لم يكن في ذلك إلا أن المراد تسليم العقول لما ينافيها، وذلك عبادة العقول قال: وصار هذا كما خفي عن موسى حكمة فعل الخضر، وقد يخفى على العامي ما يفعله الملك فقد قال المتنبي:

يدق عن الأفكار ما أنت فاعل

وقال ابن عقيل في الفنون: الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة بالذهب والفضة، ودورا مشيدة مملوءة بالخدم والزينة قال: انظر إلى ما أعطاهم مع سوء أفعالهم، ولا يزال يلعنهم ويذم معطيهم ويسقف حتى يقول: فلان يصلي الجماعات والجمع، ولا يذوق قطرة خمر، ولا يؤذي الذر، ولا يأخذ ما ليس له، ويؤدي الزكاة إذا كان له مال، ويحج ويجاهد، ولا ينال خلة بقلة، ويظهر الإعجاب كأنه ينطق عن تخايله أنه لو كانت الشرائع حقا لكان الأمر بخلاف ما نرى، وكان الصالح غنيا والفاسق فقيرا. ما ذاك إلا لأنه لحظ أن الله أعطى هذا أموال الأيتام والوقوف، بأن يأكل الربا ويفاسد العقود، وهذا افتئات وتجوز وسخط في غير موضعه.

فإن لله كتابا قد ملأه بالنهي وحرمان أخذ المال الحرام وأكله بغير حق، فلو كان منصفا لقال له تدبر هذا كتاب الله مملوء بالنهي والوعيد، فصار الفريقان ملعونين، هذا بكفره وهذا بارتكاب النهي. ومن الفساد في هذا الاعتقاد أنه لا يبقي في العقل ثقة إلى دلالة قامت على شريعة أو حكم.

فإن ينبوع الثقة ومصدرها إنما هو من قبيل أنه سبحانه لا يؤيد غير الصادق، ولا يلبس الحق بالباطل.

فإذا لم تستقر هذه القاعدة فلا ثقة وقال أيضا: إذا تأمل المتدين أفعال الخلق في مقابلة إنعام الحق استكثر لهم شم الهواء، واستقل لهم من الله سبحانه أكثر البلاء، إذا رأى هذه الدار المزخرفة بأنواع الزخاريف، المعدة لجميع التصاريف واصطباغا وأشربة وأدوية، وأقواتا

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية