الآداب الشرعية — ج 2
ابن مفلح • الأذكار والآداب • ج2 ص49
عالم الكتب
وقال مالك وجه إلي الرشيد أن أحدثه فقلت يا أمير المؤمنين إن العلم يؤتى ولا يأتي. فصار إلى منزلي فاستند معي على الجدار فقلت له يا أمير المؤمنين إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، فقام فجلس بين يدي قال فقال بعد مدة: يا أبا عبد الله تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان بن عيينة فلم ننتفع به.
وروي نحو ما روي عن مالك عن سليمان بن حرب مع طاهر بن عبد الله، وروي أن طاهر بن عبد الله كان ببغداد فطمع أن يسمع من أبي عبيد وطمع أن يأتيه في منزله فلم يفعل أبو عبيد فقدم علي بن المديني وعباس العنبري فأرادا أن يسمعا غريب الحديث فكان يحمل كل يوم كتابه ويأتيهما في منزلهما فيحدثهما فيه.
وروى البيهقي وغيره أن المهدي لما قدم المدينة حاجا جاءه مالك فسلم عليه فأمر المهدي ابنه موسى الهادي وهارون الرشيد أن يسمعا منه فطلباه إليهما فامتنع فعاتبه المهدي في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين إن للعلم نضارة يؤتى أهله.
وفي رواية: العلم أهل أن يوقر ويؤتى أهله، فأمرهما والدهما بالمصير إليه، فسأله مؤدبهما أن يقرأ عليهما فقال: إن أهل هذه البلدة يقرءون على العالم كما يقرأ الصبيان على المعلم، فإذا أخطئوا أفتاهم، فرجعوا إلى الخليفة فعاتبه المهدي في ذلك فقال يا أمير المؤمنين سمعت ابن شهاب يقول سمعنا هذا العلم من رجال في الروضة وهو يا أمير المؤمنين سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار ونافع مولى ابن عمر وابن هرمز، ومن بعدهم أبو الزناد وربيعة ويحيى بن سعيد وابن شهاب كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرءون، فقال المهدي: في هؤلاء قدوة، صيروا إليه فاقرءوا عليه، ففعلوا.
وقال سفيان بن عيينة لو أن أهل العلم طلبوه لما عند الله لهابهم الناس ولكن طلبوا به الدنيا فهانوا على الناس وقال سفيان: ما زال العلم عزيزا حتى حمل إلى أبواب الملوك وأخذوا عليه أجرا فنزع الله الحلاوة من
#