المشروع التركي
طعلت مرزوق • من فقه الواقع
نشأت الجمهورية التركية عام 1923م، على إثر الهزيمة التى تلقتها الدولة العثمانية فى الحرب العالمية الأولى .
وخضعت فى بدايتها لنظام حكم استبدادى تحت سلطة الحزب الواحد "حزب الشعب" الذى أسسه مصطفى كمال أتاتورك .
وبعد الحرب العالمية الثانية انتقلت إلى التعددية الحزبية، إلا أنها تعرضت لعدة إنقلابات عسكرية .
وبقدوم حزب العدالة والتنمية عام 2002م، شهدت حالة مِن الإستقرار السياسى النسبى، مع تحديات التأثير القوى للجيش فى مؤسسات الدولة، وحالة المد والجزر بين التيارات الإسلامية والعلمانية، والملف الكردى .
وفى ابريل عام 2017م، صوَّت 51,4% مِن الناخبين الأتراك بالموافقة على تعديلات دستورية واسعة اقترحها الرئيس رجب طيب أردوغان، لتحويل نظام الحكم مِن برلمانى إلى رئاسى، يمنحه صلاحيات أكبر.
مرتكزات المشروع الإقليمى التركى:
الأهمية الجيوسياسية والديموغرافية:
تتميز تركيا بموقع استراتيجي فريد يربطها بقارتين، ويقع 97% من مساحة تركيا في منطقة الأناضول التي يقع معظمها في القارة الآسيوية، في حين تقع النسبة الباقية في شبه جزيرة البلقان، وتبلغ مساحتها الإجمالية 783.562 كم2، وتمثل المياه 1.3% من مساحتها، وتطل على ثلاثة مسطحات مائية؛ البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، وبحر إيجة .
وقد بلغ عدد سكانها 83 مليوناً و614 ألفاً و362 نسمة في عام 2020م، يشكل الأتراك ما بين 70 : 75% من مجموع سكان البلاد، في حين يشكل الأكراد نحو 19%، والأقليات الأخرى بين 7 -12% . ويشكل المسلمون السُّنة الأغلبية الساحقة مِن السكان المسلمين 80 : 85%.
الوفرة الإقتصادية التى حققتها برامج الإصلاح السياسى والإقتصادى:
حيث وصل تسارع النمو الإقتصادى إلى 7,1% عام 2017م، وتضاعف احتياطى البنك المركزى مِن العملات الصعبة حتى بلغ 95 ملياراً و403 ملايين دولار في 19 أكتوبر عام 2017م، وارتفع إجمالى الناتج القومى إلى 1,51 تريليون دولار على أساس القوة الشرائية عام 2017م .
وأدى ذلك إلى تحقيق بعض الإنجازات، ومنها:
تخفيض الفوائد المصرفية الربوية .
تحول المصارف الحكومية مِن الخسارة إلى الربح .
مواجهة التضخم والعجز فى الميزانية .
التوزيع العادل للثروة ومحاربة الفقر .
وفقاً لموقع "جلوبال فاير باور" العسكري المتخصص احتل الجيش التركي المرتبة الأولى في المنطقة، والحادية عشرة عالمياً في قائمة أقوى جيوش العالم لعام 2021م . ويعد ثاني قوة - بعد الولايات المتحدة الأمريكية - في الناتو .
وقد تطور قطاع الصناعات الدفاعية والتكنولوجية التركية، وهو ما جعلها تنتقل من الإعتماد على تصدير البضائع والمنتجات التركية فقط، إلى تصدير صناعاتها العسكرية والإنتاجية، وتسعى إلى التخلص كلياً مِن استيراد الصناعات العسكرية.
وتمتلك تركيا أسلحة متقدمة كطائرات إف 16 الأمريكية، دبابات ليبورد الألمانية، نظام إس 400 الروسى للدفاع الجوى، وصواريخ دفاع جوى محلية الصنع .
كما تمتلك نظام كورال للحرب الإلكترونية مِن إنتاج محلى لشركة أسليسيلان، وقمرين صناعيين للأغراض العسكرية هما غوك ترك 1، وغوك ترك 2 .
وقد تبنت تركيا سياسة إقامة القواعد العسكرية من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية، وتمتلك تركيا حالياً القواعد العسكرية التالية:
القاعدة التركية فى الصومال . وقد أنشئت فى 30 سبتمبر 2017م .
القاعدة التركية فى جيبوتى . وقد أنشئت عام 2017م .
تبنى دبلوماسية ناهضة مساعدة للمشروع الإقليمى:
اتبعت تركيا سياسة "تصفير المشاكل"، ثم انتقلت إلى سياسة "مجابهة المشاكل" لإعادة تموضعها في خارطة العالم، من خلال تبنيها دبلوماسية ناهضة تسعى من خلالها إلى تطبيق مشروعها الإقليمي .
الحضور القوى فى مجال الوساطات، وخاصة الملفات الساخنة فى الشرق الأوسط .
وعلى الرغم من تبنيها سياسة "العمق الاستراتيجي" حلقت تركيا بعيداً عن عمقها، وبحثت في فرص بعيدة جغرافياً وقريبة من حيث المنطلق الحضاري والتاريخي الذي مكنها في نهاية المطاف من تحقيق تقارب تدريجي مع القارة السمراء .
يتعرض المشروع التركى لتحديات كبيرة على المستويين؛ الداخلي المتمثل بمعارضة بعض القوى المناهضة للمشروع الحضاري التركي ذي المرجعية الليبروإسلامية، والخارجي من قبل الدول الغربية التي ترفض أن يكون لتركيا أي دور يساهم في تشكيل دورة حضارية إسلامية في العالم العربي والإسلامي لما يمثله من تهديد لمصالحها السياسية والاقتصادية .
وليس من السهل على تركيا أن تستعيد مكانتها الإقليمية كمشروع فاعل ومؤثر ما لم تتمكن من خلق توازن بين استقرارها الداخلي، وقدرتها على التفاعل مع التغيرات حولها، بحيث تكون مستعدة لأي خطر يحدق بها.
تدهور الأوضاع الإقتصادية، وعملتها الوطنية في الفترة الأخيرة .
يُعد الجانب المجتمعي أحد أبرز الجوانب التي ينبغي التركيز عليها من أجل تعزيز أمننة الدولة، ومنذ أن تأسست الجمهورية التركية بقيت إشكالية الأكراد أحد أبرز الملفات الحرجة التي تؤرق الاستقرار المجتمعي في تركيا .
إشكالية اللاجئين، لتأثيراتها على اللحمة الإجتماعية في الداخل التركي .
تحدى منافسة المشاريع الأخرى، وتنامى القوة الروسية، والصينية، والصهيونية، والإيرانية .
تفاعلات الإرث التاريخى مع اليونان، وقبرص، ودول البلقان، وأرمينيا .
فشل محاولات تركيا للإنضمام للإتحاد الأوروبى، برغم التنازلات التى قدمتها، والضغوط التى مارستها، سواء فى ملف الهجرة، أو الموافقة على إنضمام السويد لحلف الناتو.
ونظراً لأهمية الدور التركى لكونه جسراً مؤثراً بين الشرق والغرب من الناحية الإقتصادية النفطية والغازية، تتكالب عليه التحديات الخارجية موظفة نقاط الضعف، وفي حال ضعفت تركيا أو تعرضت لهجمات إرهابية أو إنفصالية أو إقتصادية أدت إلى عدم استقرار داخلي فلن تقتصر تلك الآثار المدمرة عليها وحسب، بل ستنعكس على العالم ككل، فتركيا الأمس التي اكتفت بأداء دور التابع ليست هي تركيا اليوم التي أصبحت رقماً صعباً ومؤثراً؛ نظراً لشراكاتها السياسية والأمنية والإقتصادية مع مختلف دول العالم .