الحضارة العربية الإسلامية
طعلت مرزوق • السيرة والتاريخ
قاد العرب والمسلمون "العصر التأسيسي للعلوم"، وأصبحت "اللغة العربية" هي اللغة الرسمية والوحيدة للبحث العلمي عالمياً لعدة قرون، وشهدت طفرة في الطب، والرياضيات، والفلك، والكيمياء، وغير ذلك.
فقد انصهرت الهوية العربية مع رسالة الإسلام، ما أدى إلى قفزة حضارية كبرى نقلتهم إلى قيادة العالم ، واستوعبت شعوباً وثقافات متعددة، وصهرتها في قالب لُغوي وفكري واحد.
إن عظمة الحضارة الإسلامية تكمن في أنها حضارة قيمية، ولم تكن مجرد طفرة مادية عابرة، بل اعتمدت على العلم والمعرفة والعدل بالتوازي مع الاهتمام بالجانب الإيماني والقيمي كركيزتين أساسيتين.
وقد أرسى العلماء المسلمون القدامى قواعد المنهج العلمي التجريبي وقدموا ابتكارات غيرت مسار البشرية في مختلف التخصصات، شملت اختراع الصفر وتأسيس علم الجبر، واكتشاف الدورة الدموية، وتأسيس علم البصريات الحديث، واختراع أدوات جراحية دقيقة لا تزال مستخدمة حتى اليوم، وهناك أمثلة كثيرة في ذلك:
ففى الطب والصيدلة اكتشف "ابن النفيس" الدورة الدموية الصغرى، وصحح المفاهيم الطبية السائدة في عصره.
وبرع "أبو بكر الرازي" في التشخيص السريري، وهو أول من فرَّق بين الجدري والحصبة بدقة، وميَّز بين أنواع الحميات.
ويُعد "الزهراوي"، "أبو الجراحة الحديثة"، حيث ابتكر العديد من الأدوات الجراحية، ووصف طرق خياطة الجروح وربط الشرايين.
وفى الكيمياء والعلوم التطبيقية يُلقب "جابر بن حيان" بأبى الكيمياء، لأنه أدخل المنهج التجريبي لهذا العلم، وابتكر عمليات التقطير والتبخير وتصنيع الأحماض.
وفى الفيزياء والبصريات فإن "الحسن بن الهيثم" هو مؤسس علم البصريات الحديث، وأثبت أن العين ترى الأشياء نتيجة انعكاس الضوء عليها وليس العكس.
وفى الرياضيات والفلك أسس "الخوارزمي" علم "الجبر" كفرع مستقل عن الحساب، وأدخل الأرقام العربية إلى النظام الرياضي العالمي.
وأثبت "البيروني" أن الأرض تدور حول محورها، وحدد خطوط الطول ودوائر العرض بدقة بالغة.
ورسم "الإدريسي" خريطة العالم الأكثر دقة في العصور الوسطى، وصنع مجسمًا كرويًا للأرض.
وقام "عباس بن فرناس" بأول محاولة طيران حقيقية مبنية على حسابات علمية.
ومثلت فترة الأندلس العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في أوروبا، حيث استمر الوجود الإسلامي فيها نحو ثمانية قرون "من عام 711م حتى سقوط غرناطة عام 1492م"، وتحولت خلالها شبه الجزيرة الأيبيرية إلى منارة عالمية للعلم، والابتكار، والإشعاع الثقافي.
ثم تسربت العلوم الأندلسية عبر مدارس الترجمة في طليطلة وإيطاليا، وكانت الأساس الذي قامت عليه النهضة الأوروبية الحديثة.
وبعد سقوط الأندلس، انتقل ثقل الإسهام العلمي للمسلمين إلى مراكز وحواضر جديدة، حيث قادت الدولة العثمانية، مشعل التقدم العلمي، بالتزامن مع استيعاب المغرب العربي وأوروبا للإرث الأندلسي.
ففى العمارة والهندسة العسكرية صمم "المعمار سنان" أكثر من (300) مبنى ومنشأة، وابتكر حلولاً هندسية مقاومة للزلازل، مثل جامع السليمانية.
كما برع العثمانيون في هندسة المعادن، وصناعة أضخم المدافع في العصر الحديث مثل مدفع الفتح.
وبنى "تقى الدين الشامي" مرصد إسطنبول، وابتكر ساعة ميكانيكية فلكية تدق بالثواني، وكتب في علم الهندسة الميكانيكية.
و أَلفَ "شرف الدين بن علي" كتاباً مصوراً في الجراحة يُعد أول أطلس جراحي في التاريخ يتضمن صوراً توضيحية لعمليات جراحية.
و رَسَمَ أمير البحر العثماني " بيري ريس" خريطة عالمية بالغة الدقة عام 1513م، تضمنت سواحل الأمريكتين بدقة مذهلة بناءً على حسابات فلكية ومسوح بحرية.
وفضل العرب والمسلمين العلمي على الغرب، قد اعترف به منصفو المؤرخين الغربيين أنفسهم مثل "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب" و"سيجريد هونكه" في "شمس العرب تسطع على الغرب"، حيث شكلت العلوم العربية الجسر الأساسي الذي عبرت فوقه أوروبا من ظلمات العصور الوسطى إلى أنوار عصر النهضة.
ويمكن تلخيص هذا الفضل في خمسة محاور استراتيجية:
2- ثورة الرياضيات وتأسيس لغة العلم الحديث.
3- إنقاذ الإرث اليوناني وتطويره بحركة الترجمة.
4- وضع دساتير الطب والصيدلة العالمية.
5- تأسيس الجامعات والمؤسسات الأكاديمية.
وقد كانت الجامعات والمراكز العلمية في العالم الإسلامي - وبشكل خاص في الأندلس وصقلية - الوجهة الأولى والأكثر جاذبية لأبناء الملوك، والأمراء، والنبلاء الأوروبيين، وكانت اللغة العربية حينها هي لغة العلم، والتحضر التي يتفاخر بها علية القوم في أوروبا.
وهناك شواهد تاريخية موثقة تثبت هذا ومنها:
شهادة "أوفارو القرطبي" (Alvaro of Córdoba) كتب هذا الأسقف والمفكر المسيحي الأندلسي في القرن التاسع الميلادي معبراً عن حسرته من شدة إعجاب الشباب المسيحي والنبلاء بالثقافة العربية وتخليهم عن اللاتينية، حيث قال في مقولته الشهيرة: "إن إخواني في الدين يجدون لذة كبرى في قراءة أشعار العرب وقصصهم، ويدرسون وفاق وفلسفة علماء المسلمين، لا ليفندوها بل ليتعلموا منها كيف يعبرون عن أنفسهم بالعربية بأسلوب بليغ وأنيق.
واأسفاه !! إن الشباب المسيحيين الموهوبين لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويدفعون مبالغ طائلة لاقتناء كتبها، وينفقون في كل مكان لسان العرب بفخر".
الإمبراطور فريدريك الثاني - إمبراطور الصقليين - كان يتحدث ويكتب العربية بطلاقة، ويحيط نفسه بالعلماء والفسيفساء الإسلامية، ونشأ في صقلية المتأثرة جداً بالثقافة الإسلامية، بل وكان يراسل علماء المسلمين لحل معضلات فلسفية ورياضية.
الملك ألفونسو العاشر - ملك قشتالة - أمر بترجمة أمهات الكتب العربية إلى اللاتينية والإسبانية، وكان بلاطه غارقاً في العادات والعلوم العربية.
البابا سيلفستر الثاني (جيربرت دي أوريلاك) أول بابا فرنسي للكنيسة الكاثوليكية، وقبل أن يصبح بابا، سافر إلى شمال إسبانيا والأندلس ودرس في مدارسها وجامعاتها، وتعلم الرياضيات والفلك العربي، وهو الذي نقل الأرقام العربية والنظام العشري واستخدام الصفر إلى أوروبا بعد أن أدرك عبقرية هذا النظام مقارنة بالأرقام الرومانية المعقدة.