شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عون المعبود شرح سنن أبي داود — ج 9

العظيم آبادي • الحديث • ج9 ص187

دار الكتب العلمية - بيروت

(وأخرجه النسائي وبن ماجه<span class="matn-hr"> </span>Qيعتادونها وهي التي فسرها في حديثه

وأما المزارعة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه من بعده فلم يتناولها النهي بحال

التاسع أن ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة وقيام أمر الناس عليها يمنع من تحريمها والنهي عنها لأن أصحاب الأرض كثيرا ما يعجزون عن زرعها ولا يقدرون عليه والعمال والأكرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرض لهم ولا قوام لهؤلاء ولا هؤلاء إلا بالزرع فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة وشفقته عليها ونظره لهم أن جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها ويشتركان في الزرع هذا بعمله وهذا بمنفعة أرضه وما رزق الله فهو بينهما وهذا في غاية العدل والحكمة والرحمة والمصلحة

وما كان هكذا فإن الشارع لا يحرمه ولا ينهى عنه لعموم مصلحته وشدة الحاجة إليه كما في المضاربة والمساقاة بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو القوت والأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها بخلاف المال

فإن قيل فالشارع نهى عنها مع هذه المنفعة التي فيها ولهذا قال رافع نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا فالجواب أن الشارع لا ينهى عن المنافع والمصالح وإنما ينهى عن المفاسد والمضار وهم ظنوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة وإنما كان فيه عليهم مضرة ومفسدة مقتضية للنهي وما تخيلوه من المنفعة فهي منفعة جزئية لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع وما يسعد منه بالماء وما على أقبال الجداول فهذا وإن كان فيه منفعة له فهو مضرة على المزارع فهو من جنس منفعة المرابي بما يأخذه من الزيادة وإن كان مضرة على الآخر

والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه فجواب رافع أن هذا وإن كان منفعة لكم فهو مضرة على إخوانكم فلهذا نهاكم عنه

وأما المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما ولا مضرة فيها على أحد فلم ينه عنها فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضمنها منفعة مرجوحة جزئية والذي فعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من هذه مصلحة ومنفعة راجحة لا مضرة فيها على واحد منهما فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا يستويان عند الله ولا عند رسوله ولا عند الناس

وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء

وقد تقدم في بعض طرقه أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القصري ومن كذا ومن كذا

فقال صلى الله عليه وسلم من كان له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه فهذا مفسر مبين ذكر فيه سبب النهي وأطلق في غيره من الألفاظ فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين ويدل على أن هذا هو المراد بالنهي

فاتفقت السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتآلفت وزال عنها الاضطراب والاختلاف وبان أن لكل فيها وجها وأن ما نهى عنه غير ما أباحه وفعله وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر والحمد لله رب العالمين

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية