شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بدائع الفوائد

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص62

دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان

ومن هذا النحو الجن والإنس فإن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وجمامه وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر والأغلب وسنشير إليها في آخر الفصل إن شاء الله أما ما تقدم بتقدم الزمان فكعاد وثمود والظلمات والنور فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل قال سبحانه: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} فالجهل ظلمة معقولة وهي متقدمة بالزمان على نور العلم ولذلك قال تعالى: {في ظلمات ثلاث} فهذه ثلاث محسوسات ظلمة الرحم وظلمة البطن وظلمة المشيمة وثلاث معقولات وهي عدم الإدراك الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة إذ لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع وفي الحديث: " إن الله خلق عباده في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره" صحيح ومن المتقدم بالطبع نحو مثنى وثلاث ورباع ونحو: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} الآية وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع كتقدم الحيوان على الإنسان والجسم على الحيوان ومن هذا الباب تقدم العزيز على الحكيم لأنه عز فلما عز حكم وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب ومثله كثير في القرآن نحو: {يحب التوابين ويحب المتطهرين} لأن التوبة سبب الطهارة وكذلك: {كل أفاك أثيم} لأن الإفك سبب الإثم وكذلك: {كل معتد أثيم} وأما تقدم هماز على مشاء بنميم فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان والهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميمة وأما تقدم مناع للخير على معتد فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره ومن المقدم بالرتبة: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد على أنه قد روي عن

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية