شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بدائع الفوائد

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص63

دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان

ابن عباس أنه قال: "وددت أني حججت راجلا لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن الكريم" فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول والمعنيان موجودان وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة ومما قدم للفضل والشرف: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} وقوله: النبيين والصديقين ومنه تقديم السميع على البصير وسميع على بصير ومنه تقديم الجن على الإنس في أكثر المواضع لأن الجن تشتمل على الملائكة وغيرهم مما اجتن عن الأبصار قال تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} وقال الأعشى:

وسخر من جن الملائك شيعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر

وأما قوله تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} وقوله: {لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} وقوله: {وأنا ظننا أن لن تقول الأنس والجن على الله كذبا} فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال لنزاهتهم عن العيوب وأنه لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب فلما لم يتناولهم عموم لفظ هذه القرينة بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم وأما تقديم السماء على الأرض فبالرتبة أيضا وبالفضل والشرف وأما تقديم الأرض في قوله: {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء} فبالرتبة أيضا لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه وهم المخاطبون بقوله: {ولا تعملون من عمل} فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها بخلاف الآية التي في سبأ فإنها منتظمة بقوله عالم الغيب وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة فهذا من باب تقديم السبب على المسبب لأن المال سبب تمام النعمة بالولد وأما قوله: {حب الشهوات من النساء والبنين} فتقديم النساء على البنين بالسبب وتقدم الأموال على البنين بالرتبة ومما تقدم بالرتبة ذكر السمع والعلم حيث وقع فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد فبدأ بالسمع لتعلقه

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية