بدائع الفوائد
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص133
دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان
لا مخرج الأمر وقال: {إلى أن تزكى} ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء ثم قال {وأهديك إلى ربك} أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك وقال {إلى ربك} استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} فابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} ولم يقل لا تعبد ثم قال: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك} فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: {جاءني من العلم ما لم يأتك} ثم قال: {فاتبعني أهدك صراطا سويا} هذا ومثل قول موسى لفرعون: {وأهديك إلى ربك} ثم قال: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا} فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا. ونظير هذا خطاب صاحب يس لقومه حيث قال: {يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} ونظير ذلك قول نوح لقومه: {يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} .
وكذلك سائر خطاب الأنبياء لأمتهم في القرآن إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله لعباده وألطف خطاب وألينه كقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} الآيات وقوله تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} وقوله: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} وتأمل
#