معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 1
البغوي • التفسير • ج1 ص333
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
أقناء (1) من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين، فكان الرجل منهم يعمد فيدخل قنو الحشف (2) وهو يظن أنه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك {ولا تيمموا الخبيث} أي الحشف والرديء، وقال الحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم ويعزلون الجيد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى {ولا تيمموا الخبيث} الرديء {منه تنفقون} {ولستم بآخذيه} يعني الخبيث {إلا أن تغمضوا فيه} الإغماض غض البصر، وأراد هاهنا التجوز والمساهلة، معناه لو كان لأحدكم على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقه وتركه. وقال الحسن وقتادة: لو وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه بسعر الجيد.
وروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ، فكيف ترضون ما لا ترضون لأنفسكم؟ هذا إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الرديء، لأن أهل السهمان شركاؤه فيما عنده، فإن كان كل ماله رديئا فلا بأس بإعطاء الرديء، {واعلموا أن الله غني} عن صدقاتكم {حميد} محمود في أفعاله.
{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب (269) }
{الشيطان يعدكم الفقر} أي يخوفكم بالفقر، يقال وعدته خيرا ووعدته شرا، قال الله تعالى في الخير "وعدكم الله مغانم كثيرة" (20-الفتح) وقال في الشر "النار وعدها الله الذين كفروا" (72-الحج) فإذا لم يذكر الخير والشر قلت في الخير: وعدته وفي الشر، أوعدته، والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد، وأصله من كسر الفقار، ومعنى الآية: أن الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت به افتقرت {ويأمركم بالفحشاء} أي بالبخل ومنع الزكاة، وقال الكلبي: كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا {والله يعدكم مغفرة منه} أي لذنوبكم {فضلا} أي رزقا خلفا (3) {والله واسع} غني {عليم}
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا محمد بن الحسين القطان أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يقول: ابن آدم أنفق أنفق عليك" وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء (4) الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات
