معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص56
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
تعالى أن فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل، يقول: منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا يؤديها وإن قلت قال مقاتل: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} هم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} يعني: كفار اليهود، ككعب بن الأشرف وأصحابه، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز وجل {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} يعني: عبد الله بن سلام، أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه، {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} يعني: فنحاص بن عازوراء، استودعه رجل من قريش دينارا فخانه، قوله {يؤده إليك} قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة {يؤده} {لا يؤده} و {نصله} و {نؤته} و {نوله} ساكنة الهاء وقرأ أبو جعفر وقالون ويعقوب بالاختلاس كسرا، والباقون بالإشباع كسرا، فمن سكن الهاء قال لأنها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهبة، ومن اختلس فاكتفى بالكسرة عن الياء، ومن أشبع فعلى الأصل، لأن الأصل في الهاء الإشباع، {إلا ما دمت عليه قائما} قال ابن عباس ملحا يريد يقوم عليه يطالبه بالإلحاح، وقال الضحاك: مواظبا أي تواظب عليه بالاقتضاء، وقيل: أراد أودعته ثم استرجعته وأنت قائم على رأسه ولم تفارقه رده إليك، فإن فارقته وأخرته أنكره ولم يؤده {ذلك} أي: ذلك الاستحلال والخيانة، {بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} أي: في مال العرب إثم وحرج كقوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} وذلك أن اليهود قالوا: أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة 61/ألهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم.
وقال الكلبي: قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد العرب منها فهو لنا وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم.
وقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق، ولا عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم، وانقطع العهد بيننا وبينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم فكذبهم الله عز وجل وقال عز من قائل: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} ثم قال ردا عليهم:
{بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) }
{بلى} أي: ليس كما قالوا بل عليهم سبيل، ثم ابتدأ فقال {من أوفى} أي: ولكن من أوفى {بعهده} أي: بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة، وقيل: الهاء في عهده راجعة إلى الموفي {واتقى} الكفر والخيانة ونقض العهد، {فإن الله يحب المتقين}
#
