معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص55
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم {أو يحاجوكم عند ربكم} يعني: إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم، فقوله عز وجل {عند ربكم} أي عند فضل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن والكلبي ومقاتل. وقال الفراء: ويجوز أن يكون أو بمعنى حتى كما يقال: تعلق به أو يعطيك حقك أي حتى يعطيك حقك، ومعنى الآية: ما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم.
وقرأ ابن كثير {آن يؤتى} بالمد على الاستفهام وحينئذ يكون فيه اختصار تقديره: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه ولا تؤمنون به، هذا قول قتادة والربيع وقالا هذا من قول الله تعالى يقول: قل لهم يا محمد {إن الهدى هدى الله} بأن أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث نبيا حسدتموه وكفرتم به.
{قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} قوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون "أو" بمعنى أن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر أي وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم فقل يا محمد: إن الهدى هدى الله ونحن عليه، ويجوز أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين، ويكون نظم الآية: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤكمنين حسدوكم فقل {إن الفضل بيد الله} وإن حاجوكم {قل إن الهدى هدى الله}
ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله {لعلهم يرجعون} وقوله تعالى: {ولا تؤمنوا} كلام الله يثبت به قلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله، و {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} فتكون الآية كلها خطاب الله للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا.
{يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) }
قوله تعالى: {يختص برحمته} أي بنبوته {من يشاء والله ذو الفضل العظيم}
قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} الآية نزلت في اليهود أخبر الله
#
