شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3

البغوي • التفسير • ج3 ص118

تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع

قدرته، {وتطمئن} وتسكن، {قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا} بأنك رسول الله، أي: نزداد إيمانا ويقينا، وقيل: إن عيسى ابن مريم أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما، فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم، ففعلوا وسألوا المائدة، وقالوا: "ونعلم أن قد صدقتنا" في قولك، إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى شيئا إلا أعطانا، {ونكون عليها من الشاهدين} لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم.

{قال عيسى ابن مريم} عند ذلك، {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} وقيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى، ثم قال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} أي: عائدة من الله علينا حجة وبرهانا، والعيد: يوم السرور، سمي به للعود من الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته ويعود إليك، وسمي يوم الفطر والأضحى عيدا لأنهما يعودان كل سنة، قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيدا لأولنا وآخرنا، أي: نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان: نصلي فيه، قوله {لأولنا} أي: لأهل زماننا {وآخرنا} أي: لمن يجيء بعدنا، وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم، {وآية منك} دلالة وحجة، {وارزقنا وأنت خير الرازقين}

{قال الله} تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام، {إني منزلها عليكم} يعني: المائدة وقرأ أهل المدنة وابن عامر وعاصم "منزلها" بالتشديد لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى، وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله: أنزل علينا، {فمن يكفر بعد منكم} أي: بعد نزول المائدة {فإني أعذبه عذابا} أي جنس عذاب، {لا أعذبه أحدا من العالمين} يعني: عالمي زمانه، فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير، قال عبد الله بن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون (1) .

واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها، فلم تنزل، وقوله: "إني منزلها عليكم"، يعني: إن سألتم (2) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية