شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3

البغوي • التفسير • ج3 ص276

تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع

إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك فقال الله عز وجل: {ولكن انظر إلى الجبل} وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير.

قال السدي: لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى، فوسوس إليه: أن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية فقال الله عز وجل: {لن تراني} وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا: قال الله تعالى: {لن تراني} ولن تكون للتأبيد، ولا حجة لهم فيها ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في الحال، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال و"لن" لا تكون للتأبيد، كقوله تعالى: (ولن يتمنوه أبدا) [البقرة-95] ، إخبارا عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون (يا مالك ليقض علنيا ربك) [الزخرف-77] ، و (يا ليتها كانت القاضية) [الحاقة-27] ، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا.

قال الله تعالى: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} قال وهب وابن إسحاق لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله (1) ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لم سألت، فقليل من كثير ما رأيت.

ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن

الصفحة السابقة الصفحة التالية