معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص364
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
في صدوركم من الحب لله عز وجل:
{وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا} قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بما رأى، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفا.
{ويقللكم} يا معشر المؤمنين {في أعينهم} قال السدي: قال ناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا، فقال أبو جهل: الآن إذا برز لكم محمد وأصحابه؟ فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم، واربطوهم بالحبال -يقوله من القدرة التي في نفسه -: قال الكلبي: استقل بعضهم بعضا ليجترؤا على القتال، فقلل المشركين في أعين المؤمنين لكي لا يجبنوا، وقلل المؤمنين في أعين المشركين لكي لا يهربوا، {ليقضي الله أمرا} من إعلاء الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله. {كان مفعولا} كائنا، {وإلى الله ترجع الأمور}
{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) }
{وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) }
قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} أي: جماعة كافرة {فاثبتوا} لقتالهم، {واذكروا الله كثيرا} أي: ادعوا الله بالنصر والظفر بهم، {لعلكم تفلحون} أي: كونوا على رجاء الفلاح.
قوله تعالى: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا} لا تختلفوا، {فتفشلوا} أي: تجبنوا وتضعفوا، {وتذهب ريحكم} قال مجاهد: نصرتكم. وقال السدي: جراءتكم وجدكم. وقال مقاتل بن حيان: حدتكم. وقال النضر بن شميل: قوتكم. وقال الأخفش: دولتكم. والريح ها هنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، تقول العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد.
قال قتادة وابن زيد: هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل تضرب وجوه العدو.
#
