معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص72
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
قوله عز وجل: {أذلة على المؤمنين} يعني: أرقاء رحماء، لقوله عز وجل: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"، ولم يرد به الهوان، بل أراد به أن جانبهم لين على المؤمنين، وقيل: هو من الذل من قولهم دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون كما قال الله تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا"، {أعزة على الكافرين} أي: أشداء غلاظ على الكفار يعادونهم ويغالبونهم، من قولهم: عزه أي غلبه، قال عطاء: أذلة على المؤمنين: كالولد لوالده والعبد لسيده، أعزة على الكافرين: كالسبع على فريسته، نظيره قوله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم". {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} يعني: لا يخافون في الله لوم الناس، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، وروينا عن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" (1) .
{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، من فضل الله عليهم، {والله واسع عليم}
{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) }
{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} [روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"، إلى قوله: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" (2) يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) . وقال جابر بن عبد الله: جاء عبد الله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء" (4) . وعلى هذا التأويل أراد بقوله: {وهم راكعون}
