معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص82
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{وحسبوا} ظنوا {ألا تكون فتنة} أي: عذاب وقتل، وقيل: ابتلاء واختبار، أي: ظنوا أن لا يبتلوا ولا يعذبهم الله، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي " تكون " برفع النون على معنى أنها لا تكون، ونصبها الآخرون كما لو لم يكن قبله لا {فعموا} عن الحق فلم يبصروه، {وصموا} عنه فلم يسمعوه، يعني عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه، {ثم تاب الله عليهم} ببعث عيسى عليه السلام، {ثم عموا وصموا كثير منهم} بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، {والله بصير بما يعملون}
{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) }
{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وهم الملكانية واليعقوبية منهم، {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}
{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} يعني: المرقوسية، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"؟ (المائدة، 116) ، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" (المجادلة، 7) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (1) . ثم قال ردا عليهم: {وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن} [ليصيبن] (2) {الذين كفروا منهم عذاب أليم} خص الذين كفروا لعلمه أن بعضهم يؤمنون.
{أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} ؟ قال الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام كقوله تعالى: "فهل أنتم منتهون" (المائدة، 91) ، أي: انتهوا، والمعنى: أن الله [يأمركم] (3) بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم، {والله غفور رحيم}
قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت} [مضت] (4) {من قبله الرسل} أي: ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، {وأمه صديقة} أي: كثيرة الصدق.
