معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص15
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
قال السدي والكلبي وابن إسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة.
وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء قد مضى: "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم"؟ وإنما هم الذين قال عز وجل: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا" كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. {إن الله يحب المتقين} .
{كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) } .
قوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم} هذا مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهم عهد عند الله [كيف] (1) وإن يظهروا عليكم! {لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} قال الأخفش: كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي: يظفروا بكم، لا يرقبوا: لا يحفظوا؟ وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا فيكم إلا. قال ابن عباس والضحاك: قرابة. وقال يمان: رحما. وقال قتادة: الإل الحلف. وقال السدي: هو العهد. وكذلك الذمة، إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين. وقال أبو مجلز ومجاهد: الإل هو الله عز وجل. وكان عبيد بن عمير يقرأ: "جبر إل" بالتشديد، يعني: "عبد الله". وفي الخبر أن ناسا قدموا على أبي بكر من قوم مسيلمة الكذاب، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرؤوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من الله.
والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة "لا يرقبون في مؤمن إيلا" بالياء، يعني: الله عز وجل. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمة أي: عهدا. {يرضونكم بأفواههم} أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، {وتأبى قلوبهم} الإيمان، {وأكثرهم فاسقون} .
فإن قيل: هذا في المشركين وكلهم فاسقون فكيف قال: "وأكثرهم فاسقون"؟
