معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص148
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
موسى وإجابته أربعون سنة (1) . {فاستقيما} على الرسالة والدعوة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب {ولا تتبعان} نهي بالنون الثقيلة، ومحله جزم، يقال في الواحد: لا تتبعن بفتح النون؛ لالتقاء الساكنين، وبكسر النون في التثنية لهذه العلة. وقرأ ابن عامر بتخفيف النون لأن نون التأكيد تثقل وتخفف، {سبيل الذين لا يعلمون} يعني: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فإن وعدي لا خلف فيه، ووعيدي نازل بفرعون وقومه.
{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) } .
{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} عبرنا بهم {فأتبعهم} لحقهم وأدركهم، {فرعون وجنوده} يقال: "أتبعه وتبعه" إذا أدركه ولحقه، و"اتبعه" بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به. وقيل: هما واحد. {بغيا وعدوا} أي: ظلما واعتداء. وقيل: بغيا في القول وعدوا في الفعل. وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس وديق (2) وخاض البحر، فاقتحمت الخيول خلفه، فلما دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم الماء. وقوله تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق} أي: غمره الماء وقرب هلاكه، {قال آمنت أنه} قرأ حمزة والكسائي "إنه" بكسر الألف أي: آمنت وقلت إنه. وقرأ الآخرون "أنه" بالفتح على وقوع آمنت عليها {لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} فدس جبريل عليه السلام في فيه من حمأة البحر.
وقال: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذين آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل عليه السلام: يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال (3) البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه (4) الرحمة" (5) . فلما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل ما مات فرعون فأمر الله البحر
