معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص320
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
بالرحمن ولم يؤمنوا، لما سبق من علمنا فيهم، كما قال: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا} (الأنعام -111) ثم قال:
{بل لله الأمر جميعا} أي: في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
{أفلم ييئس الذين آمنوا} قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم. قال الكلبي: هي لغة النخع (1) .
وقيل: لغة هوازن، يدل عليه قراءة ابن عباس: "أفلم يتبين الذين آمنوا" (2) .
وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم، وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول: يئست، بمعنى: علمت، ولكن معنى العلم فيه مضمر (3) .
وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: {أفلم ييئس الذين آمنوا} يعني: الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء، أي لم ييئسوا علما، وكل من علم شيئا يئس من خلافه، يقول: ألم ييئسهم العلم: {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} .
{ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {قارعة} أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء، أحيانا بالجدب، وأحيانا بالسلب، وأحيانا بالقتل والأسر.
وقال ابن عباس: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليهم.
{أو تحل} يعني: السرية والقارعة، {قريبا من دارهم} وقيل: أو تحل: أي تنزل أنت يا محمد بنفسك قريبا من ديارهم، {حتى يأتي وعد الله} قيل: يوم القيامة. وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. {إن الله لا يخلف الميعاد} وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولقد استهزئ برسل من قبلك}
