معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص38
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديت أن الله قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطورا وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال: لم يكن عيسى بإنس ولا بجسم، ولكنه ابن الله، وعلم ذلك رجلا يقال له "يعقوب" ثم دعا رجلا يقال له ملكا، فقال: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي، وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني. وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي، فادع الناس إلى نحلتك. ثم دخل المذبح نفسه وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد طائفة من الناس، فاختلفوا واقتتلوا فقال الله عز وجل: {وقالت النصارى المسيح ابن الله} ، {ذلك قولهم بأفواههم} يقولون بألسنتهم من غير علم. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا.
{يضاهئون} قرأ عاصم بكسر الهاء مهموزا، والآخرون بضم الهاء غير مهموز، وهما لغتان يقال: ضاهيته وضاهأته، ومعناهما واحد. قال ابن عباس رضي الله عنه: يشابهون. والمضاهاة المشابهة. وقال مجاهد: يواطئون وقال الحسن: يوافقون، {قول الذين كفروا من قبل} قال قتادة والسدي: ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالوا: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله. وقال مجاهد: يضاهئون قول المشركين من قبل الذين كانوا يقولون اللات والعزى ومناة بنات الله. وقال الحسن: شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة كما قال في مشركي العرب: "كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم" (البقرة -188) . وقال القتيبي: يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولهم، {قاتلهم الله} قال ابن عباس: لعنهم الله. وقال ابن جريج: أي: قتلهم الله. وقيل: ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب، {أنى يؤفكون} أي: يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه.
{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) } .
{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا} أي: علماءهم وقراءهم، والأحبار: العلماء، واحدها حبر،
#
