معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 5
البغوي • التفسير • ج5 ص352
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
فأمر الحوت فقذفه إلى الساحل (1) كما قال الله تعالى: {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} (الصافات: 145) .
{فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) }
فلذلك قوله عز وجل: {فاستجبنا له} يعني: أجبناه، {ونجيناه من الغم} من تلك الظلمات، {وكذلك ننجي المؤمنين} من كل كرب إذا دعونا واستغاثوا بنا، قرأ ابن عامر وعاصم برواية أبي بكر: " نجي " بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، واختلف النحاة في هذه القراءة، فذهب أكثرهم إلى أنها لحن لأنه لو كان على ما لم يسم فاعله لم تسكن الياء ورفع المؤمنون، ومنهم من صوبها، وذكر الفراء أن لها وجها آخر وهو إضمار المصدر، أي نجا النجاء المؤمنين، ونصب المؤمنين كقولك: ضرب الضرب زيدا، ثم تقول ضرب زيدا بالنصب على إضماء المصدر، وسكن الياء في " نجي " كما يسكنون في بقي ونحوها، قال القتيبي من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنما أراد ننجي من التنجية إلا أنه أدغم وحذف نونا طلبا للخفة ولم 22/أيرضه النحويون لبعد مخرج النون من الجيم، والإدغام يكون عند قرب المخرج، وقراءة العامة {ننجي} بنونين من الإنجاء، وإنما كتبت بنون واحدة لأن النون الثانية كانت ساكنة والساكن غير ظاهر على اللسان فحذفت كما فعلوا في إلا حذفوا النون من إن لخفائها (2) واختلفوا في أن رسالة يونس متى كانت؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كانت بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت، بدليل أن الله عز وجل ذكره في سورة الصافات، {فنبذناه بالعراء} (الصافات: 145) ، ثم ذكر بعده: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} (الصافات: 147) ، وقال الآخرون: إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون} (الصافات: 139 -140) . قوله عز وجل: {وزكريا إذ نادى ربه} دعا ربه، {رب لا تذرني فردا} وحيدا لا ولد لي وارزقني وارثا، {وأنت خير الوارثين} ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه أفضل من بقي حيا.
