معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 5
البغوي • التفسير • ج5 ص354
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} لا يجحد ولا يبطل سعيه بل يشكر ويثاب عليه، {وإنا له كاتبون} لعمله حافظون، وقيل: معنى الشكر من الله المجازاة. {وحرام على قرية} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: " وحرم " بكسر الحاء بلا ألف، وقرأ الباقون بالألف " حرام " وهما لغتان مثل حل وحلال.
قال ابن عباس: معنى الآية وحرام على قرية أي أهل قرية، {أهلكناها} أن يرجعوا بعد الهلاك، فعلى هذا تكون " لا " صلة، وقال آخرون: الحرام بمعنى الواجب، فعلى هذا تكون " لا " ثابتا معناه واجب على أهل قرية أهلكناهم {أنهم لا يرجعون} إلى الدنيا.
وقال الزجاج: معناه وحرام على أهل قرية أهلكناهم أي حكمنا بهلاكهم أن تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والدليل على هذا المعنى أنه قال في الآية التي قبلها: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} أي يتقبل عمله، ثم ذكر هذه الآية عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. قوله عز وجل: {حتى إذا فتحت} قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: " فتحت " بالتشديد على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، {يأجوج ومأجوج} يريد فتح السد عن يأجوج ومأجوج، {وهم من كل حدب} أي نشز وتل، والحدب المكان المرتفع، {ينسلون} يسرعون النزول من الآكام والتلال كنسلان الذئب، وهو سرعة مشيه، واختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم: عني بهم يأجوج ومأجوج بدليل ما روينا عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" (1) وقال قوم: أراد جميع الخلق يعني أنهم يخرجون من قبورهم، ويدل عليه قراءة مجاهد وهم من كل جدث بالجيم والثاء كما قال: {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} (يونس: 51) .
