معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 5
البغوي • التفسير • ج5 ص384
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
أي: بعيد، معناه: بعد من أشرك من الحق كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير، أو هوت به الريح، فلا يصل إليه بحال. وقيل: شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق، وقال الحسن: شبه أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء منها.
{ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) }
{ذلك} يعني: الذي ذكرت من اجتناب الرجس وقول الزور، {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} قال ابن عباس "شعائر الله" البدن والهدي، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها: استسمانها واستحسانها. وقيل "شعائر الله" أعلام دينه، "فإنها من تقوى القلوب"، أي: فإن تعظيمها من تقوى القلوب. {لكم فيها} أي: في البدن قبل تسميتها للهدي، {منافع} في درها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها، {إلى أجل مسمى} وهو أن يسميها ويوجبها هديا، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها، هذا قول مجاهد، وقول قتادة والضحاك، ورواه مقسم عن ابن عباس.
وقيل: معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هديا بأن تركبوها وتشربوا ألبانها عند الحاجة "إلى أجل مسمى"، يعني: إلى أن تنحروها، وهو قول عطاء بن أبي رباح.
واختلف أهل العلم في ركوب الهدي.
فقال قوم: يجوز له ركوبها والحمل عليها غير مضر بها، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، لما أخبر أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له: "اركبها، فقال يا رسول الله إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك، في الثانية أو الثالثة"، وكذلك قال له: "اشرب لبنها بعدما فضل عن ري ولدها" (1) .
وقال أصحاب الرأي: لا يركبها.
