معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص201
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم إن كيدي متين (45) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (50) }
{فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} أي فدعني والمكذبين بالقرآن وخل بيني وبينهم. قال الزجاج: معناه لا تشغل قلبك بهم [كلهم] (1) إلي فإني [أكفيكهم] (2) [قال ومثله: "ذرني ومن خلقت وحيدا" معناه في اللغة: لا تشغل قلبك به وكله إلي فإني أجازيه. ومثله قول الرجل: ذرني وإياه، ليس أنه منعه منه ولكن تأويله كله، فإني أكفيك أمره] (3)
قوله تعالى: {سنستدرجهم} سنأخذهم بالعذاب {من حيث لا يعلمون} ، فعذبوا يوم بدر. {وأملي لهم إن كيدي متين أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون فاصبر لحكم ربك} اصبر على أذاهم لقضاء ربك {ولا تكن} في الضجر والعجلة {كصاحب الحوت} وهو يونس بن متى {إذ نادى} ربه [في] (4) بطن الحوت {وهو مكظوم} مملوء غما.
{لولا أن تداركه} أدركته {نعمة من ربه} حين رحمه وتاب عليه {لنبذ بالعراء} لطرح بالفضاء من بطن الحوت {وهو مذموم} يذم ويلام بالذنب [يذنبه] (5) .
{فاجتباه ربه} اصطفاه {فجعله من الصالحين}
{وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) }
{وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} وذلك أن الكفار أرادوا أن يصيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه.
وقيل: كانت العين في بني أسد حتى كانت الناقة والبقرة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية خذي المكتل والدراهم فأتينا بشيء من لحم هذه فما تبرح حتى تقع
