معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص208
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) }
{وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) }
{وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يكن لهم عليها سبيل، وجاوزت المقدار فلم يعرفوا كم خرج منها. {سخرها عليهم} أرسلها عليهم. وقال مقاتل: سلطها عليهم {سبع ليال وثمانية أيام} قال وهب: هي الأيام التي تسميها العرب أيام العجوز، ذات برد ورياح شديدة. قيل: سميت عجوزا لأنها في عجز الشتاء. وقيل: سميت بذلك لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فتبعتها الريح، فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب {حسوما} قال مجاهد وقتادة: متتابعة ليس لها فترة، فعلى هذا فهو من حسم الكي وهو أن يتابع على موضع الداء بالمكواة حتى يبرأ، ثم قيل لكل شيء توبع: حاسم وجمعه حسوم، مثل شاهد وشهود، وقال الكلبي ومقاتل: حسوما دائمة. وقال النضر بن شميل: حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم، والحسم: القطع والمنع ومنه حسم الداء. قال الزجاج: [الذي توجبه الآية فعلى معنى] (1) تحسمهم حسوما تفنيهم وتذهبهم. وقال عطية: حسوما كأنها حسمت الخير عن أهلها {فترى القوم فيها} أي في تلك الليالي والأيام {صرعى} هلكى جمع صريع {كأنهم أعجاز نخل خاوية} ساقطة، وقيل: خالية الأجواف. {فهل ترى لهم من باقية} أي من نفس باقية، يعني: لم يبق منهم أحد. {وجاء فرعون ومن قبله} قرأ أهل البصرة والكسائي بكسر القاف وفتح الباء، أي ومن معه من جنوده وأتباعه، وقرأ الآخرون بفتح القاف وسكون الباء، أي ومن قبله من الأمم الكافرة {والمؤتفكات} أي: قرى قوم لوط، يريد: أهل المؤتفكات. وقيل يريد الأمم الذين ائتفكوا بخطيئتهم، أي أهلكوا بذنوبهم {بالخاطئة} أي بالخطيئة والمعصية وهي الشرك. {فعصوا رسول ربهم} يعني لوطا وموسى {فأخذهم أخذة رابية} نامية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: شديدة. وقيل: زائدة على عذاب الأمم. {إنا لما طغى الماء} أي عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه، يعني زمن
