البداية والنهاية — ج 1
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج1 ص255
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وقد تطاول الزمان، والمجادلة بينه وبينهم، كما قال تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} [العنكبوت: 14] . أي: ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم، وكان كلما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الإيمان به. ومحاربته، ومخالفته، وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقي، وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحق، ولهذا قال: {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 27] . ولهذا قالوا: {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين} [هود: 32]
[هود: 34] . أي: من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} [هود: 36] . وهذه تعزية لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، وتسلية له عما كان منهم إليه {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} [هود: 36] . أي: لا يسوأنك ما جرى فإن النصر قريب، والنبأ عجيب
#
