البداية والنهاية — ج 1
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج1 ص267
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
أما المعقول فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره، وأبوه نبي الأمة وزعيم أهل الإيمان، ولا يهلك عوج بن عنق، ويقال: عناق. وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا، وكيف لا يرحم الله منهم أحدا، ولا أم الصبي، ولا الصبي، ويترك هذا الدعي الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا؟ !
وأما المنقول فقد قال الله تعالى: {ثم أغرقنا الآخرين} [الصافات: 82] . وقال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» . فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي ; لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى يوم إخباره بذلك، وهلم جرا إلى يوم القيامة.
وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه فكيف يترك هذا ويذهل عنه، ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها، فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه، وهم الكذبة الخونة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلاقا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء
#
