البداية والنهاية — ج 1
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج1 ص315
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه» . يعني لحيته رواه ابن أبي حاتم. وقال تعالى: {فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} [الأعراف: 77] . فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه؛ منها أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية، ومنها أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين؛ أحدهما: الشرط عليهم في قوله: {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب} [هود: 64] . وفي آية " عظيم ". وفي الأخرى " أليم ". والكل حق. والثاني: استعجالهم على ذلك. ومنها أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علما جازما، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق، ووقوع العذاب بهم. قال الله تعالى: {فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65] . وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله فعرقبها فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها، فلما عاين ذلك سقبها، وهو ولدها شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات؛ فلهذا قال لهم صالح: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود: 65] . أي غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الأكيد، بل لما أمسوا هموا بقتله، وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله} [النمل: 49] . أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم نجحدن قتله، وننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه؛ ولهذا قالوا: {ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون} [النمل: 49] . وقال الله تعالى:
#
