شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

البداية والنهاية — ج 2

الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص139

تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة. فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر، وفي مثله أكمل الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم دينه، وأقام حجته وبراهينه.

والمقصود أن موسى، عليه السلام، لما استكمل الميقات، وكان فيه صائما، يقال: إنه لم يستطعم الطعام. فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغه، ليطيب ريح فمه، فأمر الله أن يمسك عشرا أخرى، فصارت أربعين ليلة. ولهذا ثبت في الحديث أن: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» فلما عزم على الذهاب، استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبب المبجل الجليل، وهو ابن أمه وأبيه، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه، فوصاه وأمره ونهاه، وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة، قال الله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا} [الأعراف: 143] أي; في الوقت الذي أمر بالمجيء فيه، {وكلمه ربه} [الأعراف: 143] أي; كلمه الله من وراء حجاب، إلا أنه أسمعه الخطاب، فناداه وناجاه، وقربه وأدناه، وهذا مقام رفيع، ومعقل منيع، ومنصب شريف، ومنزل منيف، فصلوات الله عليه تترى وسلامه عليه في الدنيا والأخرى. ولما أعطي هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية، وسمع الخطاب، سأل رفع الحجاب، فقال للعظيم الذي لا تدركه الأبصار، القوي البرهان: {ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني} [الأعراف: 143] ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى; لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا، وأشد ثباتا من الإنسان، لا يثبت عند التجلي من الرحمن، ولهذا قال:

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية