البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص188
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
أن قال لها: ما يدريك ما قوته، وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له فلما علم أني امرأة صوب رأسه، فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يفعل هذا إلا وهو أمين. فسري عن أبيها، وصدقها، وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك {أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين} [القصص: 27] . ففعل، فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة، وكانت السنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته، فأتمها عشرا.
قال سعيد بن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية، من علمائهم، قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس، فذكرت ذلك له فقال: أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة؟ لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده، فإنه قضى عشر سنين. فلقيت النصراني، فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك. قلت: أجل، وأولى.
فلما سار موسى بأهله، كان من أمر النار، والعصا، ويده، ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، ويكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه،
#
