البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص195
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم يصغون ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل، مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر - وذكر من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها - فقالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون - قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم - من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. ويقول أناس: إنهما من قوم موسى. فقال الذين يخافون; بنو إسرائيل: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] . فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك; لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ، فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم فاسقين، فحرمها عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم، فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه،
#
