البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص203
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
أمرت فيهم، فيعاقبك ويسلبك ما وهبك، {إن الله لا يحب المفسدين} [القصص: 77] فما كان جوابه قومه لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة، إلا أن {قال إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] يعني: أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم، ولا إلى ما إليه أشرتم; فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه، وأني أهل له، ولولا أني حبيب إليه، وحظي عنده، لما أعطاني ما أعطاني. قال الله تعالى ردا عليه ما ذهب إليه: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص: 78] أي; قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالا وأولادا، فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان أكثر مالا منه، ولم يكن ماله دليلا على محبتنا له، واعتنائنا به، كما قال تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا} [سبأ: 37] . وقال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين - نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55 - 56]
[المؤمنون: 55، 56] . وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا إليه من معنى قوله: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] .
وأما من زعم أن المراد من ذلك، أنه كان يعرف صنعة الكيمياء، أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم، فاستعمله في جمع الأموال، فليس بصحيح; لأن
#
