البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص333
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
{الأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} [النمل: 33] فبذلوا لها السمع والطاعة، وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها في ذلك الأمر ; لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم، فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع. {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} [النمل: 34] تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة، لم يخلص الأمر من بينكم إلا إلي ولم تكن الحدة الشديدة والسطوة البليغة إلا علي. {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها، وتحف تبعثها، ولم تعلم أن سليمان، عليه السلام، لا يقبل منهم - والحالة هذه - صرفا ولا عدلا ; لأنهم كافرون، وهو وجنوده عليهم قادرون، ولهذا {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون} [النمل: 36] ، هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة، كما ذكره المفسرون. ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه، والناس حاضرون يسمعون: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} [النمل: 37] يقول: ارجع بهديتك - التي قدمت بها - إلى من قد من بها، فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال والتحف والرجال، ما هو أضعاف هذا، وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه. {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} [النمل: 37] أي: فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم، ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم {أذلة وهم صاغرون} [النمل: 37] ، عليهم الصغار والعار والدمار. فلما بلغهم ذلك عن نبي الله، لم يكن لهم بد
#
