البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص513
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
أما تصبرون لي ليلة واحدة، تعينوني فيها؟ فقالوا: والله ما ندري ما لنا، والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون - أحد الحواريين - فقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه. فتركوه ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح. فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه. وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه واستوثقوا منه، وربطوه بالحبل وجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال: علام تبكيان. قالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه
#
