البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص518
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وذلك في زمان قسطنطين بن قسطس باني المدينة المنسوبة إليه على ما سنذكره. الثالث، أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم ألقوه بخشبته جعلوا مكانه مطرحا للقمامة والنجاسة وجيف الميتات والقاذورات، فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور، فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح، ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب، فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي. فالله أعلم أكان هذا أم لا؟ وهل كان هذا لأن ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلا صالحا، أو كان هذا محنة وفتنة لأمة النصارى في ذلك اليوم؟ حتى عظموا تلك الخشبة وغشوها بالذهب واللآلئ، ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها، لعنهم الله، وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة، وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة. فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس، التي يقال لها: القمامة. باعتبار ما كان عندها، ويسمونها القيامة، يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد، وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود، فلم تزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بيت المقدس، فكنس عنها القمامة بردائه، وطهرها من الأخباث والأنجاس، ولم يضع المسجد وراءها، ولكن أمامها، حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلة الإسراء بالأنبياء، وهو الأقصى.
#
