البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص69
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
{قال فمن ربكما يا موسى - قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى - قال فما بال القرون الأولى - قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى - الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى - كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى - منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 49 - 55]
[طه: 49 - 55] . يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه أنكر إثبات الصانع تعالى، قائلا: {فمن ربكما يا موسى - قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 49 - 50] أي; هو الذي خلق الخلق، وقدر لهم أعمالا وأرزاقا وآجالا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق علمه فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه; لكمال علمه وقدرته وقدره. وهذه الآية كقوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى - الذي خلق فسوى - والذي قدر فهدى} [الأعلى: 1 - 3]
[الأعلى: 1 - 3] . أي; قدر قدرا وهدى الخلائق إليه {قال فما بال القرون الأولى} [طه: 51] يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق المقدر، الهادي الخلائق، لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الأولون غيره وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت؟ فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟ {قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} [طه: 52] أي; هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك، ولا يدل على خلاف ما أقول; لأنهم جهلة مثلك، وكل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر من صغير وكبير، وسيجزيهم على ذلك ربي، عز وجل، ولا يظلم أحدا مثقال ذرة; لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه شيء، ولا ينسى ربي شيئا. ثم ذكر له عظمة الرب، وقدرته على خلق الأشياء وجعله الأرض
#
