البداية والنهاية — ج 4
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج4 ص187
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا، لا يكون بينهم اختلاف. فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه، فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبا حازما من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه، قالوا: لقد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا. فمشوا إلى عمه، فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فإما أن تقتله، وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم: قتلتم أباه بالأمس، وأقتله اليوم؟ بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار بستمائة درهم أو بسبعمائة، فقذفه في سفينة، فانطلق به، فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده، فإذا هم محمقون، ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذا والله لأكلمنه. فقالوا: وإن. فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك، إني
#
