البداية والنهاية — ج 8
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج8 ص478
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وقال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس، «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه غنما بين جبلين، فأتى قومه فقال: أي قوم، أسلموا؛ فوالله إن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. فإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد إلا الدنيا. فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه أو أعز عليه من الدنيا وما فيها» . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به. وهذا العطاء؛ ليؤلف به قلوب ضعيفي القلوب في الإسلام، ويتألف آخرين ليدخلوا في الإسلام، كما فعل يوم حنين حين قسم تلك الأموال الجزيلة من الإبل والشاء والذهب والفضة في المؤلفة قلوبهم، ومع هذا لم يعط الأنصار وجمهور المهاجرين شيئا، بل أنفق فيمن كان يحب أن يتألفه على الإسلام، وترك أولئك لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، وقال مسليا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة؛ لمن عتب من جماعة الأنصار: «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟» قالوا: رضينا يا رسول الله. وهكذا أعطى عمه العباس بعدما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين فوضع بين يديه في المسجد، وجاء العباس فقال: «يا رسول الله، أعطني فقد فاديت نفسي يوم بدر وفاديت عقيلا. فقال: " خذ ". فنزع ثوبه عنه، وجعل يضع فيه من ذلك المال، ثم قام ليقله، فلم يقدر، فقال لرسول الله
#
