البداية والنهاية — ج 9
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج9 ص119
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
عليهم، وسلب أموال من قتل منهم على كفره، كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الإسلام على أرجائها، وحكم على مدائنها وفيفائها. قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: 33]
وقال تعالى: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس} [التوبة: 95] الآية [التوبة: 95] . وهكذا وقع; لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين، فجعلوا يحلفون بالله لقد كانوا معذورين في تخلفهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمر الله رسوله أن يجري أحوالهم على ظاهرها، ولا يفضحهم عند الناس، وقد أطلعه الله على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا، كما قدمناه لك في غزوة تبوك، فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه صلى الله عليه وسلم إياه.
وقال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76]] الإسراء: 76] . وهكذا وقع; لما اشتوروا عليه ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأي على القتل، فعند ذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالخروج من بين أظهرهم، فخرج هو وصديقه أبو بكر، رضي الله عنه، فكمنا في غار ثور ثلاثا، ثم ارتحلا بعدها، كما قدمنا، وهذا هو المراد بقوله: {شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة: 39] . وهو المراد من قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] . ولهذا قال: (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) . وقد وقع كما أخبر; فإن الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة وتابعه المهاجرون والأنصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، وكسرت تلك الرءوس، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل كونه; من إخبار الله له بذلك، ولهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف: أما إني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يذكر أنه قاتلك. فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فإنه والله لا يكذب. وسيأتي الحديث في بابه.
وقد قدمنا أنه عليه الصلاة والسلام جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الذي أشار إليه صلوات الله وسلامه عليه.
وقال تعالى: {الم - غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون - بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم - وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 1 - 6]
#
