البداية والنهاية — ج 10
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج10 ص168
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
طبل، فجعل يضرب بطبله، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضا، واستلبه طوقه ووقف موضعه، فخرج ثالث فقتله، وأخذ طوقه ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية. وكان من عادتهم أنهم لا يخرجون من مبيتهم، حتى يخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم؛ يضرب الأول بطبله، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يخرجون بعد الثالث، فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير، وقال لعسكره: قد طال مقامنا، وقد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا. فرجعوا إلى بلادهم وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك؛ ليخرجوا إليهم من شعبهم، فلم يروا أحدا منهم، ثم بلغهم انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم. وقد كان يزدجرد - وخاقان في مقابلة الأحنف بن قيس ومقاتلته - ذهب إلى مرو الشاهجان فحاصر حارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كان دفنها بها، ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه.
وقد قال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. وقد أصاب الأحنف في ذلك، فقد جاء في الحديث: «اتركوا الترك ما تركوكم» وقد رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا [الأحزاب: 25] . ورجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل، ولا حصل على خير، ولا انتصر كما كان في
#
