البداية والنهاية — ج 10
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج10 ص185
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
في ذلك فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها.
وكان يصلي بالناس العشاء، ثم يدخل بيته فلا يزال يصلي إلى الفجر. وما مات حتى سرد الصوم، وكان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع. وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء، وكان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه، فيحمل صريعا إلى منزله، فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف.
وقال طلحة بن عبيد الله: خرج عمر ليلة في سواد الليل، فدخل بيتا، فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا؛ يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى. فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا طلحة أعثرات عمر تتبع!
وقال أسلم مولى عمر: قدم المدينة رفقة من تجار، فنزلوا المصلى، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة؟ قال: نعم. فباتا يحرسانهم ويصليان، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه، فقال لأمه: اتق الله تعالى وأحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه، فعاد إلى أمه، فقال لها مثل ذلك، ثم عاد مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي، فأتى إلى أمه، فقال لها: ويحك! إنك أم سوء، مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء؟ فقالت: يا عبد الله إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك. قال: ولم؟
#
