البداية والنهاية — ج 10
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج10 ص12
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له: مالك بن عامر. كانت علاقته رثة، فأخذه الموج، فدعا صاحبه الله، عز وجل، وقال: اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي. فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه، فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه. وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء، يقيض الله له مثل النشز المرتفع، فيقف عليه فيستريح، وحتى إن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها، وكان يوما عظيما، وأمرا هائلا، وخطبا جليلا، وخارقا باهرا، ومعجزة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلقها الله لأصحابه، لم ير مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة، بل هذا أجل وأعظم ; فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك. قالوا: وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: إن الإسلام جديد، ذللت لهم والله البحور، كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا. فخرجوا منه كما قال سلمان، لم يغرق منهم أحد، ولم يفقدوا شيئا.
ولما استقل المسلمون على وجه الأرض، خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن فلم يجدوا بها أحدا، بل قد أخذ كسرى أهله وما قدروا عليه من الأموال والأمتعة والحواصل، وتركوا ما
#
