البداية والنهاية — ج 15
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج15 ص140
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
المال، فوقعت مصالحة، ورجع ابن رائق فطالبه الجند بأرزاقهم، وضاق عليه حاله، وتحيز جماعة من الأتراك إلى البريدي، فضعف جانب ابن رائق فكاتب البريدي بالوزارة ببغداد، ثم قطع اسم الوزارة عنه، فاشتد حنق البريدي، وعزم على أخذ بغداد فبعث أخاه أبا الحسين في جيش، فتحصن ابن رائق مع الخليفة بدار الخلافة، ونصب فيها المجانيق والعرادات، وعلى دجلة أيضا، فاضطربت بغداد ونهب الناس بعضهم بعضا ليلا ونهارا، وجاء أبو الحسين أخو أبي عبد الله البريدي بمن معه، فقاتلهم الناس في البر وفي دجلة، وتفاقم الحال، واشتد الخطب جدا، مع الغلاء والوباء والفناء، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم إن الخليفة وابن رائق انهزما في جمادى الآخرة - ومع الخليفة ابنه أبو منصور - في عشرين فارسا، فقصدوا نحو الموصل واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة، فقتل أصحاب البريدي من وجدوا بدار الخلافة من الحاشية، ونهبوها حتى وصل النهب إلى الحريم، ولم يتعرضوا للقاهر، وهو إذ ذاك أعمى مكفوف، وأخرجوا كورتكين من الحبس، فبعثه أبو الحسين إلى أخيه أبي عبد الله البريدي، فكان آخر العهد به ونهبوا بغداد جهارا علانية، ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التي كان يسكنها ابن رائق وكانوا يكبسون الدور ويأخذون ما فيها من الأموال، فكثر الجور، وغلت الأسعار جدا، وضرب أبو الحسين المكس على الحنطة والشعير، وذاق أهل بغداد لباس الجوع والخوف. وكان مع أبي الحسين في الجيش طائفة كثيرة من القرامطة، فأفسدوا في البلد فسادا عظيما، فوقعت بينهم وبين الأتراك حروب طويلة شديدة، فغلبتهم
#
