البداية والنهاية — ج 17
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج17 ص185
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الأرض ويقول: هو الآن أصلح مما كان. يعني أنه مريض وليس بميت، فيجد الملك راحة بذلك; من قلة عقله ودينه، قبحه الله تعالى.
فلما جاءت التتار اشتغل بهم، وأمر بدفن قلج، وهرب من بين أيديهم، وامتلأ قلبه خوفا منهم، وجعل كلما سار إلى قطر لحقوه إليه، وخربوا ما اجتازوا به من الأقاليم والبلدان، حتى انتهوا إلى الجزيرة، وجاوزوها إلى سنجار وماردين وآمد، يفسدون ما قدروا عليه قتلا وأسرا ونهبا. وتمزق شمل جلال الدين، وتفرق عنه جيشه، فصاروا شذر مذر، وبدلوا بالأمن خوفا، وبالعز ذلا، وبالاجتماع تفريقا، فسبحان من بيده الملكوت!
وانقطع خبر جلال الدين فلا يدرى أين سلك ولا أين ذهب. وتمكنت التتار من الناس في سائر البلاد لا يجدون من يمنعهم ولا من يردعهم، وألقى الله تعالى الوهن والضعف في قلوب الناس منهم، كانوا كثيرا ما يقتلون الناس، فيقول المسلم: لا بالله، لا بالله. فكانوا يلعبون على الخيل، ويغنون ويحاكون الناس: لا بالله لا بالله. وهذه طامة عظمى وداهية كبرى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وحج الناس في هذه السنة من الشام، وكان فيمن خرج الشيخ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح، ثم لم يحج الناس بعد هذه السنة أيضا لكثرة الحروب والخوف من التتر والفرنج، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها تكامل بناء المدرسة التي بسوق العجم من بغداد، المنسوبة إلى إقبال الشرابي، وحضر الدرس بها، وكان يوما مشهودا، واجتمع فيه جميع المدرسين
#
