شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص184

دار الحديث - القاهرة

والسبب في اختلافهم في هذا هو السبب في اختلافهم في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وإن كان هنالك التعميم ; لأن القصر نقل قولا وفعلا، والجمع إنما نقل فعلا فقط، فمن اقتصر به على نوع السفر الذي جمع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجزه في غيره، ومن فهم منه الرخصة للمسافر عداه إلى غيره من الأسفار.

وأما الجمع في الحضر لغير عذر، فإن مالكا وأكثر الفقهاء لا يجيزونه، وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر وأشهب من أصحاب مالك.

وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس، فمنهم من تأوله على أنه كان في مطر كما قال مالك. ومنهم من أخذ بعمومه مطلقا. وقد خرج مسلم زيادة في حديثه، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «في غير خوف ولا سفر ولا مطر» وبهذا تمسك أهل الظاهر.

وأما الجمع في الحضر لعذر المطر، فأجازه الشافعي ليلا كان أو نهارا ومنعه مالك في النهار، وأجازه في الليل، وأجازه أيضا في الطين دون المطر في الليل، وقد عذل الشافعي مالكا في تفريقه من صلاة النهار في ذلك وصلاة الليل لأنه روى الحديث وتأوله: (أعني: خصص عمومه من جهة القياس) وذلك أنه قال في قول ابن عباس: «جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر» أرى ذلك كان في مطر قال: فلم يأخذ بعموم الحديث ولا بتأويله: (أعني تخصيصه) بل رد بعضه وتأول بعضه، وذلك شيء لا يجوز بإجماع، وذلك أنه لم يأخذ بقوله فيه: «جمع بين الظهر والعصر» وأخذ بقوله: «والمغرب والعشاء» وتأوله وأحسب أن مالكا - رحمه الله - إنما رد بعض هذا الحديث ; لأنه عارضه العمل، فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل، وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء على ما روي أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء، جمع معهم، لكن النظر في هذا الأصل الذي هو العمل كيف يكون دليلا شرعيا فيه نظر، فإن متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون إنه من باب الإجماع، وذلك لا وجه له، فإن إجماع البعض لا يحتج به، وكان متأخروهم يقولون إنه من باب نقل التواتر، ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره مما نقله أهل المدينة خلفا عن سلف، والعمل إنما هو فعل، والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول فإن التواتر طريقة الخبر لا العمل، وبأن جعل الأفعال تفيد التواتر عسير بل لعله ممنوع، والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة، وذلك أنه لا يجوز أن يكون

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية