بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص185
دار الحديث - القاهرة
أمثال هذه السنن مع تكررها، وتكرر وقوعها، أسبابها غير منسوخة، ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين أتقنوا العمل بالسنن خلفا عن سلف، وهو أقوى من عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة ; لأن أهل المدينة أحرى أن لا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل، وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول إن وافقته أفادت به غلبة الظن، وإن خالفته أفادت به ضعف الظن، فأما هل تبلغ هذه القرينة مبلغا ترد بها أخبار الآحاد الثابتة ففيه نظر، وعسى أنها تبلغ في بعض ولا تبلغ في بعض لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها، وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس وهي كثيرة التكرار على المكلفين كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولا أو عملا فيه ضعف، وذلك أن يوجب ذلك أحد أمرين: إما أنها منسوخة، وإما أن النقل فيه اختلال، وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره. وأما الجمع في الحضر للمريض فإن مالكا أباحه له إذا خاف أن يغمى عليه أو كان به بطن ومنع ذلك الشافعي.
والسبب في اختلافهم: هو اختلافهم في تعدي علة الجمع في السفر: (أعني: المشقة) ، فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الأولى والأحرى، وذلك أن المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر، ومن لم يعد هذه العلة وجعلها كما يقولون قاصرة: (أي: خاصة بذلك الحكم دون غيره) لم يجز ذلك.
[الباب الخامس من الجملة الثالثة وهو القول في صلاة الخوف]
الباب الخامس من الجملة الثالثة
وهو القول في صلاة الخوف.
اختلف العلماء في جواز صلاة الخوف بعد النبي - عليه الصلاة والسلام - وفي صفتها.
; فأكثر العلماء على أن صلاة الخوف جائزة لعموم قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا} [النساء: 101] الآية. ولما ثبت ذلك من فعله - عليه الصلاة والسلام - وعمل الأئمة والخلفاء بعده بذلك، وشذ أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة فقال: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين يصلي واحد منهما بطائفة ركعتين، ثم يصلي الآخر بطائفة أخرى وهي الحارسة ركعتين أيضا وتحرس التي صلت.
والسبب في اختلافهم: هل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه صلاة الخوف هي عبادة أو هي لمكان فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن رأى أنها عبادة لم ير أنها خاصة بالنبي - عليه الصلاة والسلام -، ومن رآها لمكان فضل النبي - عليه الصلاة والسلام - رآها خاصة بالنبي - عليه الصلاة والسلام - وإلا فقد كان يمكننا أن ينقسم الناس على إمامين، وإنما كان ضرورة اجتماعهم على إمام واحد خاصة من خواص النبي - عليه الصلاة والسلام - وتأيد عنده هذا التأويل بدليل الخطاب المفهوم من
#
