بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص205
دار الحديث - القاهرة
وأصحابه سجود السهو للزيادة اليسيرة في الصلاة، وإن كانت من غير جنس الصلاة.
وينبغي أن تعلم أن السنة والرغيبة هي عندهم من باب الندب، وإنما تختلفان عندهم بالأقل والأكثر - أعني: في تأكيد الأمر بها -، وذلك راجع إلى قرائن أحوال تلك العبادة، ولذلك يكثر اختلافهم في هذا الجنس كثيرا، حتى إن بعضهم يرى أن في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا، أو فعلت عمدا إن كانت تركا أن حكمها حكم الواجب - أعني: في تعلق الإثم بها -، وهذا موجود كثيرا لأصحاب مالك.
وكذلك تجدهم قد اتفقوا ما خلا أهل الظاهر على أن تارك السنن المتكررة بالجملة آثم، مثل ما لو ترك إنسان الوتر أو ركعتي الفجر دائما لكان مفسقا آثما، فكأن العبادات بحسب هذا النظر منها ما فرض بعينها وجنسها مثل الصلوات الخمس، ومنها ما هي سنة بعينها فرض بجنسها مثل الوتر وركعتي الفجر وما أشبه ذلك من السنن. وكذلك قد تكون عند بعضهم الرغائب رغائب بعينها سننا بجنسها، مثل ما حكيناه عن مالك من إيجاب السجود لأكثر من تكبيرة واحدة - أعني: للسهو عنها -، ولا تكون فيما أحسب عند هؤلاء سنة بعينها وجنسها. وأما أهل الظاهر فالسنن عندهم هي سنن بعينها، لقوله - عليه الصلاة والسلام - للأعرابي الذي سأله عن فروض الإسلام: «أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق» . وذلك بعد أن قال له: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه - يعني الفرائض -. وقد تقدم هذا الحديث.
واتفقوا من هذا الباب على سجود السهو لترك الجلسة الوسطى، واختلفوا فيها هل هي فرض أو سنة، وكذلك اختلفوا هل يرجع الإمام إذا سبح به إليها أو ليس يرجع؟ وإن رجع فمتى يرجع؟ قال الجمهور: يرجع ما لم يستو قائما. وقال قوم: يرجع ما لم يعقد الركعة الثالثة. وقال قوم: لا يرجع إن فارق الأرض قيد شبر.
وإذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه، فالجمهور على أن صلاته جائزة. وقال قوم: تبطل صلاته.
[الفصل الرابع في صفة سجود السهو]
الفصل الرابع. وأما صفة سجود السهو: فإنهم اختلفوا في ذلك: فرأى مالك أن حكم سجدتي السهو إذا كانت بعد السلام أن يتشهد فيها ويسلم منها، وبه قال أبو حنيفة لأن السجود كله عنده بعد السلام، وإذا كانت قبل السلام أن يتشهد لها فقط، وأن السلام من الصلاة هو سلام منها، وبه قال الشافعي إذا كان السجود كله عنده قبل السلام، وقد روي عن مالك أنه لا يتشهد للتي قبل السلام، وبه قال جماعة.
#
