فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 3
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج3 ص4
دار المعرفة - بيروت، 1379
في رواية مالك عن أبي الزبير عن طاوس إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل وظاهر السياق أنه كان يقوله أول ما يقوم إلى الصلاة وترجم عليه بن خزيمة الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر ثم ساقه من طريق قيس بن سعد عن طاوس عن بن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للتهجد قال بعد ما يكبر اللهم لك الحمد وسيأتي هذا في الدعوات من طريق كريب عن بن عباس في حديث مبيته عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة وفي آخره وكان في دعائه اللهم اجعل في قلبي نورا الحديث وهذا قاله لما أراد أن يخرج إلى صلاة الصبح كما بينه مسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قوله قيم السماوات في رواية أبي الزبير المذكورة قيام السماوات وسيأتي الكلام عليه في التوحيد قال قتادة القيام القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره قوله أنت نور السماوات والأرض أي منورهما وبك يهتدي من فيهما وقيل المعنى أنت المنزه عن كل عيب يقال فلان منور أي مبرأ من كل عيب ويقال هو اسم مدح تقول فلان نور البلد أي مزينه قوله أنت ملك السماوات كذا للأكثر وللكشميهني لك ملك السماوات والأول أشبه بالسياق قوله أنت الحق أي المتحقق الوجود الثابت بلا شك فيه قال القرطبي هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره وقال بن التين يحتمل أن يكون معناه أنت الحق بالنسبة إلى من يدعى فيه أنه إله أو بمعنى أن من سماك إلها فقد قال الحق قوله ووعدك الحق أي الثابت وعرفه ونكر ما بعده لأن وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره والتنكير في البواقي للتعظيم قاله الطيبي واللقاء وما ذكر بعده داخل تحت الوعد لكن الوعد مصدر وما ذكر بعده هو الموعود به ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام كما أن ذكر القول بعد الوعد من العام بعد الخاص قاله الكرماني قوله ولقاؤك حق فيه الإقرار بالبعث بعد الموت وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال وقيل معنى لقاؤك حق أي الموت وأبطله النووي قوله وقولك حق تقدم ما فيه قوله والجنة حق والنار حق فيه إشارة إلى أنهما موجودتان وسيأتي البحث فيه في بدء الخلق قوله ومحمد صلى الله عليه وسلم حق خصه بالذكر تعظيما له وعطفه على النبيين إيذانا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة وجرده عن ذاته كأنه غيره ووجب عليه الإيمان به وتصديقه مبالغة في إثبات نبوته كما في التشهد قوله والساعة حق أي يوم القيامة وأصل الساعة القطعة من الزمان وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها وأنها مما يجب أن يصدق بها وتكرار لفظ حق للمبالغة في التأكيد قوله اللهم لك أسلمت أي انقدت وخضعت وبك آمنت أي صدقت وعليك توكلت أي فوضت الأمر إليك تاركا للنظر في الأسباب العاديه وإليك أنبت أي رجعت إليك في تدبير أمري قوله وبك خاصمت أي بما أعطيتني من البرهان وبما لقنتني من الحجة قوله وإليك حاكمت أي كل من جحد الحق حاكمته إليك وجعلتك الحكم بيننا لا من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه وقدم
#
