فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 3
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج3 ص56
دار المعرفة - بيروت، 1379
في الفريضة نافلة فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها كالتسبيح في الفريضة قوله وإني لأسبحها كذا هنا من السبحة وتقدم في باب التحريض على قيام الليل بلفظ وإني لأستحبها من الاستحباب وهو من رواية مالك عن بن شهاب ولكل منهما وجه لكن الأول يقتضي الفعل والثاني لا يستلزمه وجاء عن عائشة في ذلك أشياء مختلفة أوردها مسلم فعنده من طريق عبد الله بن شقيق قلت لعائشة أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قالت لا إلا أن يجيء من مغيبه وعنده من طريق معاذة عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله ففي الأول نفي رؤيتها لذلك مطلقا وفي الثاني تقييد النفي بغير المجيء من مغيبه وفي الثالث الإثبات مطلقا وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب بن عبد البر وجماعة إلى ترجيح ما اتفق الشيخان عليه دون ما انفرد به مسلم وقالوا إن عدم رؤيتها لذلك لا يستلزم عدم الوقوع فيقدم من روي عنه من الصحابة الأثبات وذهب آخرون إلى الجمع بينهما قال البيهقي عندي أن المراد بقولها ما رأيته سبحها أي داوم عليها وقولها وإني لأسبحها أي أداوم عليها وكذا قولها وما أحدث الناس شيئا تعني المداومة عليها قال وفي بقية الحديث أي الذي تقدم من رواية مالك إشارة إلى ذلك حيث قالت وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم انتهى وحكى المحب الطبري أنه جمع بين قولها ما كان يصلي إلا أن يجيء من مغيبه وقولها كان يصلي أربعا ويزيد ما شاء الله بأن الأول محمول على صلاته إياها في المسجد والثاني على البيت قال ويعكر عليه حديثها الثالث يعني حديث الباب ويجاب عنه بأن المنفي صفة مخصوصه وأخذ الجمع المذكور من كلام بن حبان وقال عياض وغيره قوله ما صلاها معناه ما رأيته يصليها والجمع بينه وبين قولها كان يصليها أنها أخبرت في الإنكار عن مشاهدتها وفي الإثبات عن غيرها وقيل في الجمع أيضا يحتمل أن تكون نفت صلاة الضحى المعهودة حينئذ من هيئة مخصوصة بعدد مخصوص في وقت مخصوص وأنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يصليها إذا قدم من سفر لا بعدد مخصوص ولا بغيره كما قالت يصلي أربعا ويزيد ما شاء الله تنبيه حديث عائشة يدل على ضعف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه وعدها لذلك جماعة من العلماء من خصائصه ولم يثبت ذلك في خبر صحيح وقول الماوردي في الحاوي إنه صلى الله عليه وسلم واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات يعكر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ أنه لم يصلها قبل ولا بعد ولا يقال إن نفي أم هانئ لذلك يلزم منه العدم لأنا نقول يحتاج من أثبته إلى دليل ولو وجد لم يكن حجة لأن عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملا أثبته فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه
#
